يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجّة، ومعلومٌ أنّ الله -سبحانه- فضّل الأعمال في العشر من ذي الحجّة، وجعل أجر العمل فيها عظيمًا وأحبّ إليه من غيرها، ويوم التروية هو أحد هذه الأيام التي يُستحبّ فيها الإكثار من الأعمال الصالحة، ونذكر أبرز الأعمال المستحبة في هذا اليوم فيما يأتي:
- أحد أيام العشر الأوائل من ذي الحجة
ولا تقتصر النفحات الإيمانية في يوم التروية على حجاج بيت الله الحرام، بل تمتد لتشمل المسلمين في شتى بقاع الأرض، باعتباره أحد أيام العشر الأوائل من ذي الحجة التي فضلها الله سبحانه وتعالى وأقسم بها في قوله: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ * وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ﴾ [الفجر: ١-٢]، ويشرع لغير الحاج في هذا اليوم الإكثار من الأعمال الصالحة، وعلى رأسها الصيام، والذكر، والتكبير المطلق، استنادا إلى التوجيه النبوي الشريف، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» [البخاري (٩٦٩)]، ويمثل هذا اليوم فرصة للمسلم لتجديد التوبة والدعاء، ومشاركة الحجيج في استشعار عظمة الزمان وفضل الإقبال على الله.
- تطهير القلوب من الضغائن والأحقاد
ولغير الحاج وظائف قلبية وبدنية في هذا اليوم المبارك، تتصدرها فريضة غائبة وهي تطهير القلب من الضغائن والأحقاد، إذ لا يرفع العمل الصالح في هذه الأيام الفاضلة وقلب المسلم مشاحن لأخيه، وقد حذر النبي من عاقبة ذلك في الحديث الصحيح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: اتْرُكُوا أَوِ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا » [مسلم (٢٥٦٥)]، ويضاف إلى سلامة الصدر أعمال مستحبة كالصيام استثمارا لفضل العشر الأوائل، والإكثار من التهليل والتكبير المطلق، والإلحاح في الدعاء بأن يكتب الله لهم أجر الحجيج بنياتهم الصادقة.
الإكثار من ذكر الله
يُستحبّ الإكثار من ذكر الله -تعالى- في أيام العشر من ذي الحجة، ومنها يوم التروية، فقد قال الله -سبحانه: ﴿وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ﴾ [الحج: ٢٨]، وذهب العديد من المفسّرين إلى أنّ الأيام المعلومات هي العشر من ذي الحجّة، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ الْعَشْرُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَآخِرُهَا يَوْمُ النَّحْرِ، لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمَا فِي ذَلِكَ، وَرَوَيَا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ” [القرطبي، الجامع لأحكام القران (٣ /٢)].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ الْأَضْحَى، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» [مسند أبي حنيفة رواية الحصكفي (١٥)].
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ» [أحمد (٦١٥٤)].
فيُستحب للمسلم فيها أن يُكثر من التحميد والتهليل والتكبير، ويُكبّر اللهَ -تعالى- جهرًا في المنازل والأسواق والمساجد.
الصيام مستحبٌّ في أيام التسع من ذي الحجّة الأولى، لأنّه من الأعمال الصالحة، فيُستحبّ للمسلم أيضًا أن يصوم في يوم التروية ابتغاء رضا الله -تعالى-، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ» قَالُوا: وَلَا مِثْلُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «إِلَّا مَنْ عَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ» قَالَ فَكَيْفَ أَنْ يَكُونَ لِلْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ الْفَضْلِ مَا قَدْ ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا، ثُمَّ يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّوْمِ فِيهَا، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عز وجل أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَصُومُ فِيهَا عَلَى مَا قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها ; لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صَامَ ضَعُفَ عَنْ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مَنْزِلَةً مِنَ الصَّوْمِ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَمِنْ ذِكْرِ اللهِ عز وجل، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فِي ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ” [الطحاوي، شرح مشكل الاثار (٧ /٤١٨)].
إنّ تلاوة القرآن الكريم من أعظم الذّكر الذي ينبغي للمسلم أن لا يغفله في هذه الأيام المباركة، فتلاوته تعمر الديار، وتُبارك لأصحابها، وهي سببٌ لنزول السكينة والطمأنينة، ونيل الأجور العظيمة من الله -سبحانه-، ففي كلّ حرفٍ حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، وقد قال -تعالى-: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرࣰّا وَعَلَانِیَةࣰ یَرۡجُونَ تِجَٰرَةࣰ لَّن تَبُورَ * لِیُوَفِّیَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَیَزِیدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ غَفُورࣱ شَكُورࣱ﴾ [فاطر: ٢٩-٣٠].
استحبّ العديد من أهل العلم قيام الليل في هذه الأيام المباركة، ومنها يوم التروية، لأنّ قيام الليل من الأعمال الصالحة، وله أجرٌ عظيم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَرْفَعُهُ قَالَ: «سُئِلَ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ» [مسلم (١١٦٣)]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ» [سنن الترمذي (٧٥٨)]،ورُوي عن سعيد بن جبير -رضي الله عنه- أنّه كان يقول: «لا تُطْفِئوا سرجَكُم لياليَ العشرِ؛ تُعْجِبُهُ العبادةُ» [أبو نعيم الاصبهاني، حلية الاولياء وطبقات الاصفياء ٤ /٢٨١]، أي يحثّ فيها على القيام، وكان يجتهد فيها اجتهادًا عظيمًا.
“قوله: “يعدل”، أي: يَسوى صيام كل يوم منها؛ أي: من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة، وقد صحُّ الحديث في أنَّ صومَ يوم عرفة كفارةُ سنتين.
قوله: “بصيام سنة”، أي: سَنةً غيرَ عشر ذي الحجة” [مظهر الدين الزيداني، المفاتيح في شرح المصابيح (٢ /٣٥٦)].
“وقد كان عمر يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة؛ لفضل أيامه” [فتح الباري، لابن رجب الحنبلي (٩ /١٦)].